محمد بن أحمد الفاسي
425
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وقال رضى اللّه عنه : قال لي في بلاد العجم : إنك ستلقى القطب في الديار المصرية ، فخرجت لذلك ، فبينما أنا في بعض الطريق ، إذ خرج علىّ جماعة فأمسكونى وكتفونى ، وقالوا : هذا جاسوس ، فقال بعضهم : نقتله . وقال بعضهم : لا . فبت مكتوفا وبقيت أفكر في أمرى ، وما بي جزع الموت ، وإنما أن أموت قبل أن أعرف ربى ؟ فنظمت أبياتا وضمنتها قول امرئ القيس ، ومن جملة أبياته الذي ذكر ، هذان البيتان [ من الوافر ] : وقد وطأت نعلى كل أرض * وقد أتعبت نفسي باغترابى وقد طوفت بالآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب فما أتممت الإنشاد ، حتى انقض علىّ رجل صفته كذا وكذا ، كانقضاض البازي . وقال : قم يا عبد اللّه ، فأنا مطلوبك ، وحل كتافى . فلما قدمت الديار المصرية ، سمعت بشيخ يقال له أبو العباس المرسى . فلما رأيته ، عرفت أنه الذي أطلقنى ، ثم تبسم وقال لي : لقد أعجبني إنشادك وتضمينك ، وقولك كذا وكذا ليلة أسرت . فصحبه ولازمه إلى أن توفى ، ثم أمر الشيخ نجم الدين بالذهاب إلى مكة ، فجاور بها إلى أن مات رضى اللّه عنه . قال : ومن كرامات الشيخ نجم الدين : أنى رأيته في النوم بعد موته ، وكنت مضرورا إلى حاجة تعسرت علىّ ، ورأيت إنسانا بين يديه ، والشيخ مقبل عليه يكلمه ، ولم أدر بأي شئ يكلمه ، فسلمت على الشيخ ، ومشيت خلفه ، وعرضت عليه شيئا فاستحسنه ، أعنى جوابا أجبت به ، ثم ودعته ، وإذا قائل يقول لي : الظاهر أن اللّه يريد بك خيرا ، ولكنك تحتاج إلى صبر ؛ إذ الصبر من شأن الأجواد ، فأبشر بكذا وكذا ، يبشرني بقضاء تلك الحاجة ، ثم انتبهت وسررت بما رأيت ، وخطر لي أن أبشر ذلك الإنسان الذي رأيت الشيخ يكلمه ، بإقبال الشيخ عليه . وإذا به قد جاءني بقضاء تلك الحاجة التي طلبتها ، ففهمت أن الشيخ ما كان يكلمه إلا من أجلى ، نفع اللّه به ، وجزاه عنا أفضل الجزاء . وكان رحمه اللّه ، صاحب همة عالية ، وصورة حسنة حالية ، ولحية مليحة طويلة ، وهيبة في القلوب ، ومنزلة جليلة . وقال اليافعي أيضا ، في كتابه « الإرشاد » : وذكر الإمام أبو حامد الغزالي : أنه أدرك بعض الشيوخ بمكة ، لا يحضر الصلاة في المسجد الحرام ، قال : فسألته عن سبب تخلفه ، فذكر كلاما معناه : أنه يدخل عليه في خروجه من الضرر ، أكثر مما يدخل عليه من النفع .